استجرار الغاز والكهرباء: هل "طار" قرض البنك الدولي؟

استجرار الغاز والكهرباء: هل "طار" قرض البنك الدولي؟ -- May 07 , 2026 17

ما زالت التحضيرات الفنية وإبرام العقود والاتفاقات ودراسات إصلاح الشبكات تواصل سيرها منذ العام 2022، متنقّلة بين الأردن وسوريا ولبنان، بهدف تأمين الطريق لاستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان مروراً بسوريا. على أنّ المتغيّرات السلبية سياسياً وأمنياً في لبنان والمنطقة، تترك آثارها على هذا المسار. وبالتوازي، تبقى العقدة الأكبر هي التمويل الذي بدوره يزداد غموضاً مع تجديد حركة الاتفاقات والدراسات ومذكّرات التفاهم، التي تطرح علامات استفهام حول مصير الاتفاقات السابقة التي كانت تنتظر تمويلاً بقرض من البنك الدولي. فهل ستبقى الكهرباء في لبنان على حالها، أم ستشهد نتائج مختلفة؟.

طاقة تنتظر التمويل

عَوَّلَت وزارة الطاقة في عهد الوزير السابق وليد فيّاض، على استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن، لزيادة معدّل التغذية بالكهرباء في لبنان، وتالياً خفض الفاتورة على المستهلكين، وضمناً فاتورة المولّدات الخاصة. إلاّ أنّ نتائج توقيع الاتفاقات الثلاثية بين الأردن وسوريا ولبنان في نهاية العام 2022، بقيت حبيسة الأوراق. على أنّه في كانون الأول 2025، عاد المشروع إلى الضوء مع توقيع وزير الطاقة جو الصدي ووزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، مذكرة تفاهم لتأمين الغاز الطبيعي المخصص لتوليد الكهرباء في لبنان، ثم ذهب المشروع نحو الظل، إلى أن عاد مجدداً يوم الإثنين الماضي مع إعلان وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني، صالح الخرابشة، عن التوصّل إلى اتفاق للتعاون في تبادل الغاز بين الأردن ولبنان وسوريا، بعد "استكمال التحضيرات الفنية وإبرام العقود وإجراء دراسات لإصلاح شبكات نقل الغاز". مشيراً إلى أنّ "الاجتماعات تناولت تطوير مشاريع تبادل الغاز وتعزيز الربط الكهربائي، وأنّ فرقاً فنية عملت على إعداد الدراسات والتقييمات اللازمة، وقد وصلت هذه الجهود إلى مراحل متقدمة". في حين أكّد الصدي أنّ لبنان يبذل مجهوداً لإنجاز المشروع "بأسرع وقت ممكن"، مع الإشارة إلى وضع "جدول زمني قصير" للوصول إلى نتائج سريعة. وكخطوة إضافية في هذا المجال، وقّع لبنان ومصر، أمس الأربعاء، اتفاقاً لإعادة تأهيل شبكات الغاز في لبنان، بما يمهّد لإحياء مشروع نقل الغاز عبر الأردن وسوريا بدعم دولي.

المسار السابق للمشروع، والمرتبط بالاتفاقات الثلاثية الموقّعة في عهد فيّاض وقبل انهيار نظام الأسد في سوريا، كان ينتظر إتمام إصلاح النقاط المتضرّرة في خط الغاز العربي من الجانب السوري. أما الجانب اللبناني فكان ينتظر إقرار الخطوات الإصلاحية في قطاع الطاقة، ليفرج البنك الدولي عن قرض للبنان بقيمة 270 مليون دولار، سيغطّي كلفة 650 مليون مكعب سنوياً من الغاز المصري و250 مليون ميغاواط من الكهرباء الأردنية. لكن في مرحلة ما بعد الأسد والتغييرات السياسية في لبنان والمنطقة، شهد هذا الملف حركة اتفاقات ومذّكرات تفاهم جديدة، توحي بأنّ الصفحة السابقة قد طويت، لكن من دون الإعلان عن ذلك بوضوح. وعلمت "المدن" من مصادر متابعة للملفّ، أنّ "هناك مرحلة جديدة، ولا يوجد اتفاقيات نهائية حتى الآن". وما يؤشّر إلى المرحلة الجديدة، هو بحث وزارة الطاقة عن مصادر تمويل لمشاريع الكهرباء، إذ أشار الصدي في وقت سابق إلى سعي الوزارة لـ"العمل مع الدول الخليجية أو عبر مؤسسة التمويل الدولية IFC (هي ذراع لمجموعة البنك الدولي) على إنشاء محطات جديدة تعمل على الغاز، وإنشاء محطة تغويز والتزوّد بالغاز الطبيعي".

دوّامة داخلية

الاتفاقات وأعمال الصيانة والتأهيل والبحث عن التمويل، ليست المعضلة الوحيدة أمام حلّ مشكلة الكهرباء. فالدوامة الداخلية التي يغرق فيها القطاع، أكبر من اختصارها بتوقيع الاتفاقات وإجراء الصيانة المطلوبة لخطوط الغاز والكهرباء خارج لبنان. فصيانة الشبكة الداخلية ووقف التعديات عليها تشكّل تحدياً كبيراً إلى جانب تحسين الجباية وتعزيز القدرة المالية لمؤسسة كهرباء لبنان، ناهيك عن إعادة الهيكلة الإدارية داخل المؤسسة وداخل وزارة الطاقة، بما يضمن حسن إدارة القطاع الذي يفترض أنّه وُضِعَ على طريق الإصلاح، بدءاً من تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء في أيلول 2025.

وانطلاقاً من ذلك، فإنّ التعقيدات الداخلية تتكامل مع التعقيدات الخارجية، لتعيد وضع ملفّ الكهرباء أمام انهيار كامل محتمل إذا ما استمرّت الحرب وبقيت أسعار النفط مرتفعة، فتتّجه المؤسسة في أحسن الأحوال إلى حصر التغذية الكهربائية بالمرافق الحيوية للبلاد مع شحّ الفيول والموارد المالية، فتدمير قسم كبير من منازل الجنوبيين بدءاً من 23 أيلول 2024 أفقَدَ مؤسسة الكهرباء موارد مالية كبيرة. وتتعاظم الخسائر مع التدمير الممنهج لما تبقّى من منازل في القرى الحدودية واستمرار عمليات القصف وتهجير الجنوبيين وسكّان الضاحية الجنوبية لبيروت، بدءاً من 2 آذار الماضي. فهؤلاء فقدوا القدرة على دفع أي مستحقات مالية بحكم الظروف التي يمرّون بها، وبالتالي، انعدمت الجباية في المناطق التي تتعرّض للهدم والقصف والتهجير. ويأتي هذا الوضع المستجدّ بعد أن شهدت المؤسسة تحسّناً في جبايتها، فأكّدت عبر بيان في منتصف شباط الماضي، أنّ "تمكّنت بالتنسيق الكامل مع الجهات المعنية، من تحصيل متأخرات لـ 10 أشهر بلغت قيمتها الإجمالية 907.265.558.027 ليرة؛ أي ما يعادل نحو 10.137.045 دولاراً".

تغيير هذا الواقع عبر ترجمة الاتفاقات المنتظرة، لا يزال يحتاج إلى وقت طويل، تكون فيه المولّدات الخاصة قد فتكت بجيوب المواطنين، تحت ذريعة ارتفاع أسعار النفط وأزمة مضيق هرمز. أمّا الاتفاقات الراهنة، فمن غير المؤكّد متى ستبصر نتائجها النور، وقد تلقى مصير سابقاتها في ظل سرعة المتغيّرات التي يشهدها لبنان والمنطقة. علماً أنّ واقع قطاع الكهرباء لا يحتمل الكثير من التأجيل.

خضر حسان - المدن

أقرأ أيضاَ

إيرادات الخزينة في تراجع مستمر.. هل تطيح إطالة الحرب بالاستقرار النقدي؟

أقرأ أيضاَ

استنزاف الاحتياطات مستمرّ: 642 مليون دولار خلال الحرب